الآمدي
19
الاحكام
أنه حاصل من غير واسطة ، كقولنا : القديم لا يكون محدثا ، والموجود لا يكون معدوما ، فإنه لا بد فيه من حصول مقدمتين في النفس إحداهما أن هؤلاء مع كثرتهم واختلاف أحوالهم ، لا يجمعهم على الكذب جامع . الثانية : أنهم قد اتفقوا على الاخبار عن الواقعة ، ولكنه لا يفتقر إلى ترتيب المقدمتين بلفظ منظوم ، ولا إلى الشعور بتوسطهما وإفضائهما إليه . ومنهم من توقف في ذلك ، كالشريف المرتضى من الشيعة . وإذ أتينا على تفصيل المذاهب فلا بد من ذكر حججها ، والتنبيه على ما فيها ، ثم نذكر بعد ذلك ما هو المختار . أما حجج القائلين بالضرورة ، فأولها ، وهي الأقوى ، أنه لو كان حصول العلم بخبر التواتر بطريق الاستدلال والنظر ، لما وقع ذلك لمن ليس له أهلية النظر والاستدلال ، كالصبيان والعوام ، وهو واقع لهم لا محالة . ولقائل أن يقول : لا نسلم أن الصبيان والعوام الذين يحصل لهم العلم بخبر التواتر ليس لهم أهلية النظر في مثل هذا العلم ، وإن لم يكونوا من أهل النظر فيما عداه من المسائل الغامضة ، كحدوث العالم ووجود الصانع ونحوه . وذلك ، لان العلم النظري منقسم إلى ما مقدماته المفضية إليه نظرية ، فيكون خفيا ، وإلى ما مقدماته المفضية إليه نظرية ، فيكون خفيا ، وإلى ما مقدماته المفضية إليه ضرورية غير نظرية ، وعند ذلك ، فلا يمتنع أن يكون العلم بخبر التواتر من القبيل الثاني ، دون الأول . وعلى هذا ، فلا يمتنع أن يكون العلم بأحوال المخبرين التي يتوقف عليها العلم بمخبرهم حاصلة بالضرورة للصبيان والعوام ، ويكون العلم بالنتيجة اللازمة عنها ضروريا . وإنما تتم الحجة المذكورة أن لو بين أن العلم بمخبرهم من قبيل ما مقدماته نظرية لا ضرورية وذلك مما لا سبيل إلى بيانه . الحجة الثانية أن كل عاقل يجد من نفسه العلم بوجود مكة وبغداد والبلاد النائية ، عند خبر التواتر بها ، مع أنه لا يجد من نفسه سابقة فكر ولا نظر فيما يناسبه من العلوم